اليمن: نضوب المياه الجوفية والحلول المتاحة
تقرير: مها الصالحي
تعد اليمن واحدة من أكثر البلدان التي تعاني من ندرة المياه في العالم، حيث تتمثل أبرز التهديدات التي تواجه الموارد المائية للبلاد في نضوب المياه الجوفية، مما يضيف تحدياً للأمن المائي والغذائي.
ولعل تقرير الأمم المتحدة حول تنمية الموارد المائية للعام 2022، سلط الضوء على الوضع الحرج للمياه الجوفية على مستوى العالم -واليمن أيضاً-، ولفت التقرير الانتباه إلى أدوار المياه الجوفية المحددة، والتحديات التي تواجهها والفرص المتاحة التي ينبغي اغتنامها لتنمية الموارد المائية في جميع أنحاء العالم.
في اليمن، تعتمد الموارد المائية بشكل أساسي على المياه الجوفية ومياه الأمطار. وتعد أزمة المياه في البلاد واضحة للعيان، وهي من بين أكبر التحديات البيئية التي تواجهها اليمن اليوم.
وتحتل اليمن المرتبة السابعة عالمياً من حيث ندرة المياه [1]، مع هبوط كبير لمستويات المياه الجوفية في الأحواض الحرجة، والتي تتراوح بين 3 إلى 8 أمتار سنويا. [2]

اليمن والوضع الراهن للمياه الجوفية
تعاني اليمن من حالة “الندرة المطلقة” من المياه الجوفية، [3] فمتوسط حصة المياه للفرد في اليمن تبلغ حوالي 82 متر مكعب في السنة (NWRA، 2020).
وهي حصة تعد أقل بكثير من متوسط حصة المياه للفرد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ كما تعاني اليمن من شحة المصادر المائية، فهي تتلقى كمية محدودة من مياه الأمطار تتراوح ما بين 19 إلى 600 ملم/سنة ولا يوجد لديها أنهار(NWRA، 2020).
وبالتالي، فإن الاستغلال المفرط لموارد المياه الجوفية، آخذ في الازدياد لتلبية الاحتياجات المائية المختلفة. ووفقًا للمقابلة التي أجراها فريق «حلم أخضر» مع الهيئة العامة للموارد المائية (NWRA)، فقد كانت تقديرات استخدامات المياه في العام 2020 تمثل 80.4٪ لأغراض الزراعة لري مساحة إجمالية تبلغ 0.52 مليون هكتار (32% منها من المياه الجوفية).
ومنها حوالي 14% للاستخدامات المنزلية، وقرابة 5.6% للاستخدامات الصناعية، والتي استخدمت بشكل رئيسي في الصناعات الغذائية والكيميائية الأدوية والمشروبات.

أما بالنسبة لكمية المياه المتجددة في اليمن فإنها تصل إلى 2.5 مليار متر مكعب/سنة، بينما تبلغ المياه المستخدمة حوالي 5.1 مليار متر مكعب/سنة. وهذا يعكس حالة عجز مائي مقلقة بنحو 2.6 مليار متر مكعب/سنة (NWRA، 2019).
ويبلغ معدل سحب المياه الجوفية في البلاد حاليًا، أكثر من ضعف نسبة التغذية، مع وجود أكثر من 800 حفار مياه، وأكثر من 100 ألف بئر تم حفر معظمها بشكل غير قانوني (NWRA، 2021).
ويؤدي استخراج المياه الجوفية بطريقة عشوائية وغير قانونية، إلى استنزاف احتياطيات المياه في البلاد، بالإضافةً إلى عواقب اجتماعية واقتصادية وخيمة.
وفي بعض الأحواض الحرجة في مناطق اليمن، يتم استنزاف المياه الجوفية بمعدل يفوق نسبة التغذية بشكل كبير، ووفقاً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة الأغذية والزراعة: إذا استمر سحب المياه في هذه الأحواض بنفس المعدلات الحالية، فقد يستغرق الأمر أقل من 20 عاماً حتى تجف جميع مصادر المياه الجوفية في اليمن (FAO, UNDP, 2020). [4]
ومن بين 14 حوضاً مائياً في المناطق المائية في اليمن، تصنف 5 أحواض على أنها الأحواض المائية الحرجة في البلاد، والتي تسجل أعلى هبوط لمستويات المياه الجوفية نتيجة انخفاض تغذية الحوض وارتفاع السحب. حيث وصل العجز المائي في هذه الاحواض لمستويات حرجة: في حوض صنعاء بلغ العجز المائي (271 مليون م3 بالسنة)، وفي حوض صعدة (85 مليون م3 بالسنة)، وفي حوض عمران (79 مليون م3 بالسنة)، وفي حوض تعز (39 مليون م3 بالسنة)، أما العجز المائي لحوض رداع بلغ (28 مليون م3 بالسنة). [5]
وتعاني الاحواض المائية في اليمن ضغوطًا كبيرة من حيث الكمية والنوعية. فعلى سبيل المثال: في حوض صنعاء يتجاوز الطلب على المياه العرض بأكثر من أربعة أضعاف [6]، وفي أماكن متفرقة في محافظة شبوة جنوب البلاد تتسرب الملوثات المختلفة إلى طبقات المياه الجوفية، وتلوث مياه الآبار، والمياه السطحية.

وبمجرد النظر للوضع الراهن لـ الإجهاد المائي في اليمن من خلال مستوى الأحواض المائية، تبرز مستويات مقلقة للاجهاد المائي في مختلف الاحواض في البلاد. إذ تعاني 4 أحواض من الاجهاد المائي: تبن – أبين، وصنعاء والمرتفعات الشمالية والمرتفعات الوسطى بمستويات إجهاد مائي تتراوح بين 23% – 26%.
وتعاني أحواض تهامة وتعز من إجهاد مائي حرج يبلغ 46% و34% على التوالي. في المقابل تعاني 5 أحواض من اجهاد مائي حرج جداً وهي: المرتفعات الغربية، رملة السبعتين، أحور-ميفعة، وادي الجوف، والمرتفعات الجنوبية، عند مستويات عالية من الإجهاد المائي تتراوح بين 67% – 89%. [7]

توجد عدة أسباب لتدهور حالة المياه الجوفية في اليمن، منها ندرة موارد المياه، وتزايد النمو السكاني، وتغير المناخ، ضعف إدارة المياه والبنية المائية التحتية، والاستغلال المفرط للمياه الجوفية، لا سيما مع استمرار وتزايد الحفر غير القانوني، وإدخال مضخات حفر الآبار الارتوازية، فضلاً عن التدهور النوعي لتلك المياه.
وعلاوةً على ذلك، فقد تم استهداف مرافق المياه خلال الصراع الراهن في اليمن، مما أضاف عبئاً أكبر على مصادر المياه الجوفية، وأثر على خدمات المياه، وشبكات الصرف الصحي، وخدمات النظافة العامة ككل.
وقد أدى هذا الوضع، إلى بقاء حوالي 15.4 مليون يمني في حاجة ماسة إلى المياه الصالحة للشرب وخدمات الصرف الصحي، بحسب تقديرات الأمم المتحدة. [8]

تغير المناخ وتوافر المياه الجوفية
هناك علاقة وثيقة ومعقدة للغاية، بين المناخ ودورة المياه الأرضية، حيث تؤثر التغيرات المناخية على تحديد توافر وأماكن توزيع الموارد المائية. [9]
وفي اليمن، يؤثر تغير المناخ على ثلاث نطاقات رئيسية: موارد المياه والزراعة والمناطق الساحلية. [10] ويسبب التغيير المناخي تباينات في توزيع هطول الأمطار، ويسفر عن آثار سلبية عديدة منها: الفيضانات، الجفاف، التصحر، ازدياد وتيرة العواصف، وارتفاع مستوى سطح البحر، وينتجع عن هذا خسائر بشرية وكلفة اقتصادية- زراعية كبيرة.
وعندما يتعلق الأمر بالمياه، فإن تغير المناخ يؤثر على نسبة تغذية المياه الجوفية، جراء التغيرات في هطول الأمطار، وقد يؤدي أيضاً إلى زيادة المخاطر المتعلقة بملوحة المياه الجوفية نتيجة لارتفاع مستوى سطح البحر.
وعلاوةً على ذلك، قد تتعرض المياه الجوفية، وآبار المياه السطحية (الارتوازية-والتقليدية) للتلوث المباشر، نتيجة الفيضانات خاصة إذا كانت محملة بملوثات الصرف الصحي وغيرها.
ويشير تقرير للبنك الدولي [11] الذي يقيم فيه آثار التغير المناخي وتأثيره على المياه والزراعة في اليمن، وصفاً لثلاثة سيناريوهات مناخية محتلمه: سيناريو يكون فيه المناخ “جاف وساخن” أو “متوسط” أو “دافئ ورطب”.

وتتوقع الدراسة، أنه بحلول عام 2100، سيزداد متوسط درجة الحرارة بمقدار 1.6 درجة مئوية في أفضل سيناريو و4.5 درجة مئوية في أسوأ سيناريو. وتذكر التوقعات انخفاضًا بنسبة 24٪ في هطول الأمطار في سيناريو أسوأ حالة “جاف وساخن” وزيادة بنسبة 13٪ في أفضل سيناريو “دافئ ورطب” بحلول عام 2080 (WB, 2010).
ونظرًا لتزايد وتيرة الكوارث الطبيعية والتغيرات المحتملة في منسوب الأمطار، فإن توافر بيانات الأرصاد الجوية أمر ضروري لتعزيز مراقبة تقلبات المناخ وتأثيراتها وكذلك لتفعيل أنظمة الإنذار المبكر. ووفقاً للمقابلة التي قام بها حلم أخضر مع الهيئة العامة للموارد المائية، فقد تعرضت شبكة الأرصاد الجوية اليمنية لأضرار جسيمة أثناء النزاع الحالي. وأشارت هيئة الأرصاد اليمنية إلى أن حوالي 81٪ من محطات الشبكة لا تعمل. (NWRA، 2021).


